الخطيب الشربيني

32

تفسير الخطيب الشربينى ( السراج المنير )

وَعِبادُ الرَّحْمنِ فأضافهم إليه رفعة لهم وإن كان الخلق كلهم عباده وأضافهم إلى وصف الرحمة الأبلغ الذي أنكره أولئك تبشيرا لهم ، ثم وصفهم بضد ما وصف به المتكبرين عن السجود إشارة إلى أنهم تخلقوا من هذه الصفة التي أضيفوا إليها بصفات كثيرة ؛ الصفة الأولى : قوله تعالى : الَّذِينَ يَمْشُونَ وقال تعالى : عَلَى الْأَرْضِ تذكيرا بما يصيرون إليه وحثا على السعي في معالي الأخلاق هَوْناً أي : هينين أو مشيا هينا مصدر وصف به مبالغة والهون الرفق واللين ، ومنه الحديث : « أحبب حبيبك هونا ما » « 1 » ، وقوله : « المؤمنون هينون » « 2 » ، والمثل : إذا عز أخوك فهن ، والمعنى إذا عاسر فياسر ، والمعنى أنهم يمشون بسكينة وتواضع ووقار لا يضربون لوقارهم بأقدامهم ولا يخفقون بنعالهم أشرا وبطرا ولذلك كره بعض العلماء الركوب في الأسواق لقوله تعالى : وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ [ الفرقان ، 20 ] . تنبيه : عباد مرفوع بالابتداء وفي خبره وجهان ؛ أحدها : الجملة الأخيرة في آخر السورة أولئك يجزون وبه بدأ الزمخشري والذين يمشون وما بعده صفات للمبتدأ ، والثاني : أن الخبر الذين يمشون . الصفة الثانية وَإِذا خاطَبَهُمُ الْجاهِلُونَ أي : بما يكرهون قالُوا سَلاماً أي : تسلما منكم لا نجاهلكم ومتاركة لا خير بيننا ولا شر أي : فنسلم منكم تسلما فأقيم السلام مقام التسلم وقيل : قالوا : سدادا من القول أي : يسلمون فيه من الإثم والإيذاء وليس المراد التحية ؛ لأن المؤمنين لم يؤمروا بالسلام على المشركين ، وعن أبي العالية : نسختها آية القتال ولا حاجة إلى ادعاء النسخ بآية القتال ولا غيرها ؛ لأن الإغضاء عن السفهاء وترك المقابلة مستحسن في الأدب والمروءة والشريعة أسلم للعرض والورع ، وأطلق الخطاب إعلاما بأن أكثر خصال الجاهل وهو الذي يخالف العلم والحكمة الجهل وهو السفه وقلة الأدب من قوله « 3 » : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا ولما ذكر تعالى ما بينهم وبين الخلق ذكر ما بينهم وبينه وهي الصفة الثالثة بقوله تعالى : [ سورة الفرقان ( 25 ) : الآيات 64 إلى 69 ] وَالَّذِينَ يَبِيتُونَ لِرَبِّهِمْ سُجَّداً وَقِياماً ( 64 ) وَالَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا اصْرِفْ عَنَّا عَذابَ جَهَنَّمَ إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً ( 65 ) إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً ( 66 ) وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً ( 67 ) وَالَّذِينَ لا يَدْعُونَ مَعَ اللَّهِ إِلهاً آخَرَ وَلا يَقْتُلُونَ النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلاَّ بِالْحَقِّ وَلا يَزْنُونَ وَمَنْ يَفْعَلْ ذلِكَ يَلْقَ أَثاماً ( 68 ) يُضاعَفْ لَهُ الْعَذابُ يَوْمَ الْقِيامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهاناً ( 69 )

--> ( 1 ) أخرجه الترمذي في البر حديث 1997 . ( 2 ) أخرجه التبريزي في مشكاة المصابيح 5086 ، والمتقي الهندي في كنز العمال 693 ، والعجلوني في كشف الخفاء 2 / 402 . ( 3 ) البيت من الوافر ، وهو لعمرو بن كلثوم في ديوانه ص 78 ، ولسان العرب ( رشد ) ، وأمالي المرتضى 1 / 57 ، 327 ، 22 / 147 ، والبصائر والذخائر 2 / 829 ، وبهجة المجالس 2 / 621 ، وجمهرة أشعار العرب 1 / 414 ، وخزانة الأدب 6 / 437 ، وشرح ديوان امرئ القيس ص 327 ، وشرح شواهد المغني 1 / 120 ، وشرح القصائد السبع ص 426 ، وشرح القصائد العشر ص 366 ، وشرح المعلقات السبع ص 178 ، وشرح المعلقات العشر ص 92 ، وعيون الأخبار 2 / 211 ، وبلا نسبة في لسان العرب ( خدع ) ، والمخصص 3 / 81 ، وأساس البلاغة ( جهل ) .